الشيخ محمد النهاوندي

84

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى « 1 » . وقيل : إنّ المعنى : كيف توردون الشكّ على ما يراه بعين اليقين ، ولا شكّ بعد الرؤية ، وأنتم تقولون أصابه الجنّ « 2 » . ثمّ أكّد سبحانه رؤية محمد صلّى اللّه عليه وآله ربّه بقوله : وَلَقَدْ رَآهُ محمّد صلّى اللّه عليه وآله نَزْلَةً ومرّة أُخْرى حين رجوعه من العرش ، فانّ له نزولات وعروجات لسؤال التخفيف على ما قيل « 3 » . وعن كعب : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله رأى ربّه مرّتين « 4 » عِنْدَ شجرة سِدْرَةِ كانت في السماء السادسة أو السابعة الْمُنْتَهى إليها صعود الملائكة وأعمال العباد ، وهو مقام جبرئيل بحيث لا يمكنه التجاوز ، ولذا تخلّف عن النبي صلّى اللّه عليه وآله حين عروجه إلى العرش ، وقال : لو دنوت أنملة لاحترقت . عن الباقر عليه السّلام ، قال : « فلمّا انتهى إلى سدرة المنتهى تخلّف عنه جبرئيل ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا جبرئيل ، في مثل هذا الموضع تخذلني ؟ فقال : تقدّم أمامك ، فو اللّه لقد بلغت مبلغا لم يبلغه خلق من خلق [ اللّه ] قبلك ، فرأيت من نور ربّي ، وحال بيني وبينه السّبحة ، قيل : وما السّبحة ؟ فأومأ بوجهه إلى الأرض ، وبيده إلى السماء ، وهو يقول : جلال ربّي ، جلال ربّي ، ثلاث مرات » « 5 » . وعنه عليه السّلام ، قال : « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى يعني عندها وافى به جبرئيل حين صعد إلى السماء ، فلمّا انتهى إلى محلّ السّدرة وقف جبرئيل دونها ، وقال : يا محمد ، إنّ هذا موقفي الذي وضعني اللّه عزّ وجلّ فيه ، ولم أقدر على أن أتقدّسه ، ولكن أمض أنت أمامك إلى السّدرة ، فوقف عندها » قال : « فتقدّم رسول اللّه إلى السّدرة ، وتخلّف جبرئيل » . قال : « إنّما سمّيت سدرة المنتهى ؛ لأنّ أعمال أهل الأرض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محلّ السدرة ، والحفظة الكرام البررة دون السّدرة يكتبون ما يرفع إليهم الملائكة من أعمال العباد في الأرض » . قال : « فينتهون بها إلى محلّ السّدرة » . قال : « فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فرأى أغصانها تحت العرش وحوله ، فتجلّى لمحمد صلّى اللّه عليه وآله نور الجبّار عزّ وجلّ ، فلمّا غشي النور محمد صلّى اللّه عليه وآله شخص بصره ، وارتعدت فرائصه » قال : « فشدّ اللّه عزّ وجلّ لمحمد صلّى اللّه عليه وآله قلبه ، وقوّى له بصره حتى رأى من آيات ربّه ما رأى ، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى .

--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 334 ، تفسير الصافي 5 : 89 . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 290 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 224 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 225 ، ولم ينسبه إلى أحد . ( 5 ) . تفسير القمي 2 : 243 ، تفسير الصافي 5 : 90 .